الشيخ محمد رشيد رضا

167

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كأنهم حرموا من ذوق طعم الرحمة ، على أنه ليس بيدهم موثق من اللّه بنجاتهم وأمنهم من العذاب ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً أي انه تعالى غالب على أمره ، حكيم في فعله ، فكان من حكمته أن جعل الكفر والمعاصي سببا للعذاب وجعل سنته في ربط الأسباب بمسبباتها مطردة لا يستطيع أحد أن يغلبه فيبطل اطرادها لأنه عزيز لا يغلب على أمره ، كما جعل الايمان والعمل الصالح سببا للنعيم المقيم وبين ذلك بقوله * * * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً جعل دخول الجنة جزاء من آمن وعمل صالحا إذ الايمان بغير عمل صالح لا يكفي لتزكية النفس وإعدادها لهذا الجزاء ، ولا يكاد يوجد الايمان بغير العمل الصالح الا ان يموت المرء عقب إيمانه فلا يتسع الوقت لظهور آثار الايمان وثمراته منه ، ويقول البصريون ان سوف أبلغ من السين في التنفيس وسعة الاستقبال في المضارع الذي تدخل عليه ويرى ابن هشام انه لا فرق بينهما وكأنهم أخذوا ذلك من قاعدة دلالة زيادة المبني على زيادة المعنى فلما كانت سوف أكثر حروفا كان معناها في الاستقبال أوسع ولا بد على هذا من نكتة للتعبير عن جزاء أهل النار بقوله « سَوْفَ نُصْلِيهِمْ » وعن جزاء أهل الجنة بقوله « سَنُدْخِلُهُمْ » وكأنه من رحمته تعالى بالفريقين يعجل لأهل النعيم نعيمهم ولا يعجل لأهل العذاب عذابهم وفيه إشارة إلى امتداد وقت التوبة في الدنيا . والخلود طول المكث وأكده هنا بقوله « أَبَداً » أي دائما لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ قالوا أي من الحيض والنفاس ، والعيوب والأدناس ، أي سواء كانت حسية أم معنوية ، وتقدم مثل هذه الجملة في سورة البقرة ( 2 : 24 ) وهناك كلام في نساء أهل الجنة ومعنى مصاحبتهن والاستمتاع بهن مع العلم بأن الجنة عالم غيبي ليس كعالم الدنيا وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا قال الراغب الظل أعم من الفيء فإنه يقال ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل اليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زالت عنه